قصة بنت الصياد قصة رائعةرجل صياد سمك كان عنده بنت صبية رائعة

رجل صياد سمك كان عنده بنت صبية رائعة الجمال ماتت امها فتزوج امرأة اخرى وكانت شريرة ومكروهه وكانت عندها بنت قبيحة المنظر وحمقاء من زوجها السّابق

في يوم من الايام اتى الرجل بصيد وفير للبيت وطلبت زوجته من عائشة غسل السمك وتقشيره وطبخه لهم .

وبينما هي منهمكة في عملها وتغني كعادتها سمعت صوت ضعيفا فتعجبت ونظرت حولها لكن لم تر أحدا

قالت في نفسها: لعله صوت أحد القطط التي تبحث عن طعام…. لكن تكرّر الصوت وهذه المرة كان أكثر وضوحا ولمّا نظرت أمامها رأت سمكة غريبة الشكل تكلمها وقالت لها ّ:

انت بنت طيبة وكريمة وانا إبنة ملك الأسماك، ولقد أوصاني بعدم ترك الأعماق لكني لم أسمع كلامه وصعدت إلى السطح وأعجبني الهواء النقي وصيحات الطيور وسبحت حتى علقت في الشبكة مع رفيقاتي وأرجوك أن تطلقيني فلا شك أن أبي قد تحير لغيابي

قالت لها حينما تهب الريح الشمالية ألقيني في البحر فستحملني إلى مملكتنا وسوف أرد لك معروفك

انتبهت عيشة من شرودها وتساءلت كيف تتكلم الأسماك هذا والله عجيب

أخبرتها السّمكة أن للبحر أسراره وكل مخلوق قي الأرض له ما يقابله في البحر

تركت عيشة عملها ووضعت السّمكة في إناء مليئ بالماء وذهبت للبحر ولما هبت ريح الشمال أخرجت لها قوقعة صغيرة وقالت: إذا إحتجت شيئا عليك فقط أن تعلّقيها في إتجاه تلك الريح ستخرج منها موسيقى جميلة وأكون عندك

رمت عيشة السمكة في البحر ثم رجعت تجري للبيت لتكمل عملها وخافت أن تفطن لها زوجة ابيها لكن حين خرجت البنت إلى البحر، جاءت تلك المرأة ولم تجدها فحقدت عليها

وقررت تنتقم منها وتشكوها لأبيها حتى يضربها ويحبسها دخلت عيشة البيت وأخذت خيطا ربطت فيه القوقعة وعلقتها في رقبتها وإنهمكت في العمل جاء أبوها وقد لاح عليه الغضب

لكن لمّا رآها تعمل بجد هدأت ثائرته

وقال لها: هيا أسرعي وإلا تأخرنا عن الطعام ولا تنسي أن تعجني لنا خبزة شعير

تسللت زوجة الأب إلى المطبخ وزادت الملح في الطعام والخبز ولما أكل أبوها غضب منها وإتهمها بالإهمال وقلب القدر ورمى الخبز على الأرض وقال لها : هات القلة فأنا أشعر بالعطش لكنها وجدتها فارغة ،

قالت لها زوجة الأب : إملئي الدلو من البئر واحمليه وحدك عقابا لك

لم تعرف عيشة أنها هي من أفرغ القلة أحست بالدموع تجري على خديها فمنذ أن ماتت أمها وهي تعيش أياما قاسية لا تطاق ،ولم تكن لها ما تفعله إلا الصبر

وصلت عيشة للبئر لكنها وجدت امامها اثنين من الفرسان واقفين وقد إستبدت بهم الحيرة ولم يعرفا كيف يصلان للماء لأنه لم يكن هناك دلو ولما رأوا عيشة فرحا ،

وطلبا منها ان تسقيهم ورغم خوفها من أبيها الذي أمرها بعدم التأخير إلا انها ملئت الدلو بالماء وقدمته لهم وقالت تفضلوا، وشربا وملآ قربة كانت معهما ولما هما بالإنصراف دعيا لعيشة بالخير

وقال الاول ان شاء الله كلما ما تضحكين يتناثر الذهب من فمك وكل ما تبكين تصب المطر

وقال الفارس الثاني ان شاء الله أينما تمشين تجرّين ورائك الحرير وتلتحفين به

فرحت عيشة بها الدعوات الطيبة و استبشرت بها خيرا و أنزت الدلو وملئته بالماء مرة ثانية رغم أن البئر كان عميقا . لمّا إتجهت إلى الدار أحسّت بالتعب وبالألم في يديها وهي تجر الدّلو الثقيل

لكن في منتصف الطريق سمعت صوتا يناديها ويقول لها :ياعيشة اسقيني ماءا ولما التفتت حولها لم تجد أحدا ولكنها سمعت الصوت مرة ثانية يقول :هذا انا يا عيشة شجرة البرتقال ونظرت البنت للشجرة ووجدتها يابسة تكاد تموت فسقتها ورجعت للبئر لتعيد ملئ الدّلو .

ذهبت إلى الدار ولمّا كادت تصل أمام الباب سمعت صوتا آخر يناديها وهذه المرة كانت قطة صغيرة ممدّدة على حافة الطريق وقالت لها : أنا مريضة اسقيني رحمك الله

أحست عيشة بالشفقة عليها فمسحت رأسها وسقتها حتى إرتوت ودبّت فيها الحياة لم يبق في الدلو سوى قليل من الماء فرجعت المسكينة للبئر وهي تجر قدميها وملئت دلوها

وعرفت أنها تأخرت كثيرا وكان عليها أن تسرع رغم الآلام في قدميها

قالت في نفسها : سيضربني أبي اليوم وربما حبسني في الدهليز المظلم لكن لا يهمني ، فلقد فعلت الخير، وأمي دائما توصيني بذلك

مع ذالك لا تعلم مسكينة عيشة ماذا ينتظرها في البيت

……… في طريق عودة عيشة قالت في نفسها : سيضربني أبي اليوم وربما حبسني في الدهليز المظلم لكن لا يهمني فلقد فعلت الخير وأمي دائما توصيني بذلك

قطعت شجرة البرتقال عليها أفكارها وسمعتها تقول: أشكرك يا عيشة أرجعت لي عطري وان شاء الله يكون لك عطر الزّهر البري وبعد قليل سمعت القطة تدعو لها وتقول : أرجعت لي نور عيني إن شاء الله أضيئ لك الليالي المظلمة ،

وفرحت عيشة بها الكلام الجميل ونسيت تعبها وحزنها واصلت طريقها للبيت

في غيابها لم تدع امرأة أبيها فرصة إلا وشتمتها وقالت ولا بد أن تعلمها الأدب وتكف عن تدليلها وفرحت لما رأت صياد السمك يتوعد عيشة ويقول لن أعطيها شيئا وحصّتها من الهدايا والملابس ستكون من نصيب إبتتك

لما دخات عيشة سألها أبوها لماذا تأخرت ألم يكفيك إفساد طعاميوالآن تتركيني دون ماء روت له ما حدث في الطريق فصاح وما يهمك من أمر الفرسان والأشجار سنرى هل ينفعك أحد لما تقضين ثلاثة أيام في الدهليز المظلم

والآن ضعي ملابس قديمة وإنزعي الذّهب من أذنيك فأنت لا تستحقين شيئا

إستغربت البنت من ثورة أبيها وعرفت أن زوجته اللئيمة كادت لها فشرعت في البكاء لكن قلب صياد السّمك أصبح قاسيا ولم يرحمها وبعد دقائق أصبحت عيشة كالمتسوّلة بثوب مهترئ وحذاء مثقوب ودفعها أبوها في ظهرها داخل الدهليز وأغلق الباب ورائها بالمفتاح

أحست عيشة بالخوف فلقد كان المكان رطبا ومظلما فإنزوت في ركن وبدأت تبكي وسالت دموعها غزيرة على الأرض وقالت يا ربي ماذا فعلت من شر لأستحق هذه الحياة التّعيسة

كلّ يوم صياح وعقاب أبوها الطيب تغير ولم تعد تعرفه لقد كانت سعيدة ومدللة لكن منذ أن ماتت أمها إنتهى كل ذلك

فإمرأة أبيها مثل زوجة اب وريقة الحناء في الحسد والغيرة اما لما رأت جمالها و وبراعتها في الطريزة والخياطة غارت منها وحسدتها وحاولت إذلالها وكلفتها بكافة أشغال البيت

لتتوقّف عن عمل تلك الرسوم الرائعة على الحرير وحياكة الأثواب ومضى زمن طويل لم تمسك فيه بإبرة أو قطعة قماش في يدها .

بينما هي سارحة في أفكارها رأت عينان تلمعان في الظلام فإنكمشت على نفسها وكادت تصرخ من الذعر لكن سمعت صوتا يقول : أنا القطة التي أنقذتها في الغابة وجئت لأنير ظلمتك كما وعدتكِ

إقتربت منها وجلست في حضنها وفجأة زاد توهّج عينيها حتى صارتا كالفانوس

نظرت عيشة حولها وأول مرة ترى ما يوجد في الدّهليز فهو قديم جدا له مئات السنين ولما حفر جدها لبناء البيت

وجده ووضع عليه بابا وإستعملوه كبيت للمؤونة لكنّه كان عميقا ولم يحاول أحد معرفة ما فيه .

قالت القطة : تعالي معي سأريك شيئا

كانت عيشة منبهرة من إتساع الدهليز ونسيت همومها ومشت وراء القطة شاهدت زخارف على الحائط وتماثيل جميلة

وفجأة وجدت أحد الفرسان اللذان سقتهما وأعطاها صندوقا وقال لها :لقد حققت وعدي بأن تلتحفين بأجمل أنواع الحرير لمّا فتحت الصندوق وجدت مرآة فضية وأمشاط من العاج وخمسة أثواب حريرية

قالت في نفسها شيئ لا يصدق إختارت أحدها ثم خلعت ثوبها المهترئ ولبست الجديد ومشطت شعرها

ثم نظرت للمرآة وإبتسمت للقطة وقالت :لم أعد أعرف نفسي

ردّت عليها :هيا نواصل الطريق بعد قليل وجدت الفارس الثاني فأعطاها صندوقا كان فيه حذاء من الجلد اللماع ومجوهرات فرمت الحذاء المثقوب ووضعت الجديد

واختارت ما راق لها من قلائد وخواتم فتزينت بها وواصلت الطريق وقد إشتدت دهشتها أكثر

ثمّ صادفتها شجرة البرتقال و أعطتها كحلا وعطرا وسلة غلال وقالت :لقد نفذت وعدي وإعلمي أننا جئناك لأجل معروفك معنا والإنسان يحصد ما يزرع

فإن زرعت برا حصدت خيرا وهذا الدهليز كان في ما مضى أعظم ممالك الجن فأفسدوا في الأرض حتى جاء اليوم الذي عاقبهم فيه الله ولم يبق من قومنا إلا نحن وفقط الناس الطيبون يمكنهم رؤيتنا

تجولت عيشة بقية اليوم في آثار مملكة الجن وأعجبتها النقوش على الأعمدة الحجرية

قالت: لما أخرج سأطرّز مثلها عل الحرير

ثم دخلت أحد البيوت ونامت وفي الصباح وجدت طبقا فيه كل ما تشتهيه النفس من الطعام فأكلت حتى شبعت

ولمّا حلّ مساء اليوم الثّالث جلست قرب باب الدّهليز تنتظر قدوم أحد لإخراجها .

بعد لحظات سمعت خطوات امرأة أبيها ،

كانت تحمل في يدها طبقا فيه باقي السمك والخبز الذي فضل البارحة ولما نزلت المدرج ورأت عيشة في أحسن حال وعليها الحرير والذهب

سقط الطبق من يدها ولم تصدّق عينيها وقالت : هل انت حقا عيشة إبنة صياد السمك أجابتها : نعم أنا هي بعينها وشحمها ولحمها

نادت المرأة صيّاد السّمك ،وقالت له : تعال ،وانظر لإبتتك !!! أريد أن أعرف من أعطاها كل هذا الرّزق ؟ أجابها بتعجّب :عن ماذا تتحدّثين يا إمرة ؟ ولما نزل إلى الدّهليز فتح فمه من الدّهشة ،لكن عيشة قالت: إنّهم مخلوقات الغابة يا أبي ،جاءتني لتردّ إلي المعروف الذي عملته معها !!! لكن الصّياد لم يكن مهتمّا بحكايتها، وكان ينظر إلى صندوق الذّهب والفضّة، وقال لها : سأشترى مركبا كبيرا ،و،سنربح جيدا من الصيد،أحسنت يا عيشة، ستجعلين أباك وعائلتك من أعيان القرية ،ثم حضنها ،وقبّلها ،ووعدها أن لا يسيئ أحد معاملتها في المستقبل .

تحسّنت أحول البنت وقلّ عليها شغل البيت ،فلقد أجبر إبنة زوجته على العمل وترك الكسل .رجعت عيشة إلى التطريز ،ونقلت الزّخارف التي رأتها في مملكة الجن على قطعة من الحرير ،ولما أتمّتها دهش كلّ من رآها ،وازاد حبّ الصياد لإبنته ،واشترى المركب الذي طالما حلم به ،وجعل معه أجيرا ليساعده في الصّيد، وإنزال صناديق الأسماك ،وبيعها للتجار .أحسّت المرأة بالحقد على عيشة لما شاهدت مكانتها عند أبيها ،وقالت في نفسها: سأحتال عليها لمعرفة سرّها ،لا بدّ من ذلك .

وفي أحد الأيام جاءت لعيشة ،واعتذرت منها على قسوتها ، وقالت: حمق أختك وقبحها يجعلني أحسّ بالتوتر ، هل تفهمين هذا ؟ أجابت عيشة ببراءة : أصدقائي مخلوقات الغابة بإمكانهم مساعدتها ،فهم من بقايا مملكة الجن ،وقصت عليها مل ما حدث معا ،إبتسمت المرأة وقالت ستصبح إبنتي أجمل منك ،وأكثر ذهبا ،أما أنت سترين ماذا أفعل بك أيتها اللعينة !!!

في الصباح أعطت إبنتها دلوا ،وقالت لها ماذا يجب عليها فعله ،وأوصتها أن تصبر عل التعب ،وفي آخر اليوم سيصبح من الأغنياء ،وسيمنحها الجن وجها جميلا !!!لكنها كانت بخيلة ،ولمّا وصلت إلى البئر، ملأت الدّلو ،فجاءها الفرسان ،وطلب منها أن تسقيهما ،فقالت لهما ليس خادمة أبوكما !!! فدعيا عليها ،وقال الأول : إن شاء الله كلّما فتحت فمك خرج منه الدّود والصّراصير ،أمّا الثاني فقال :إن شاء الله كلّما مشيت نزل بولك على قدميك ،فسخرت منهما ثم واصلت طريقها .

وإذا بشجرة البرتقال تناديها ،وتطلب منها أن تسقيها ،فلمّا رأت أنّها يابسة قالت لها :سأخبر أبي ليأتي وسجعل منك حطبا للمدفأة !!! فدعت عليها وقالت :إن شاء الله تكون رائحتك نتنة كلسانك القذر ،فضحكت منها ،وإنصرفت .ولمّا كادت تصل إلى البيت وجدت القطة فتوجعت أمامها، وقالت لها : أنا مريضة، إسقيني شربة رحمك الله ،فردّت عليها :ستبقين مكانك حتى تأتي الفئران ، وتأكل ذنبك ، ستكونين أكثر جمالا دون ذنب !!!غضبت القطة ،ودعت عليها وقالت: إن شاء الله تأتيك في الظلام ، وتأكل أذنيك لتصبحين أكثر قبحا .

لمّا رحعت إلى البيت ،وضت الدلو في المطبخ وجلست تستريح ،فلما رأتها أمها قالت :هل نفذت ما قلته لك ؟ أجابتها :نعم يا أمي !!! فتحت لها السرداب ،وأدخلتها، وقالت لها: سأعطيك سلة طعام ،وإذا إحتجت شيئا أطرقي الباب بقوّة وسأفتح لك ،هيا إنزلي ،ولا تخافي ،لن يحصل لك شيئ ،ستأتيك قطة بيضاء،،فاتبعيها، وستجدين في طريقك الذّهب والحرير .

جلست الفتاة في الظلام ،وفجأة رأت عشرات العيون الحمراء تحملق فيها ،أحست بالذعر ،فأشعلت عود حطب ،كان هناك جيش من الفئران الصغيرة هجمت عليها وأشبعتها عضا وقرصا ،بدات تجري وتصرخ ،وتحاول إبعادها عن وجهها ،لكنها قضمت أذنيها ،ولمّا توغّلت وسط الدهليز ،وجدت صندوفا من الفضة ،ففرحت ،وبمجرّد أن فتحته هجمت عليها الدّيدان والصّراصير، ودخلت في أثوابها وفمها ،وأخذت تتخبط وتضرب نفسها، ثمّ واصلت الجري ،حتى تعبت، ووقفت وهي تلهث .

نظرت حولها فرأت جرة ماء بارد ،فأخذتها وشربت، وبعد لحظات بدأ بولها يسيل على ساقيها، ولم تعد قادرة أن تتحكّم فيه،صرخت، وواصلت الجري ،فصادفها صندوق مليئا بعطر الزّهر البرّي ،ولمّا فتحت أحد القوارير ،فاح شذاها في الدهليز ،فقالت :سأصب على نفسي شيئا منه، فحالتي أصبحت شديدة السوء !!! لكن بعد قليل أصبحت تفوح منها رائحة العفن ،أمسكت أنفها ،ورجعت إلى مدخل الدهليز ،وأخذت تطرق الباب بشدة، وهي تصيح بأعلى صوتها .

لمّا فتحت لها أمها الباب إنزعجت من قذارة إبنتها ،وأعدّت لها حّماما ،ونظفتها ،لكنّها أصبحت بشعة المنظر، وامتلأ وجهها بالعضّ والقرص ،وصارت تبول على نفسها ،فغضبت زوجة الأب غضا شديدا ،وقالت : كل ما حصل لإبنتي هو من تدبير عيشة ، لقد خدعتني ،سأعرف كيف أنتقم منها، الويل لك يا إبنة صيّاد السّمك منّي ..

في أحد الأيام قالت زوجة الأب لعيشة :سأجمع بعض الأعشاب لأصنع منها دواءا لأختك ،أريد منك مرافقتي للغابة !!! أجابتها : حسنا ،سأفعل ما تطلبينه منّي . إبتعدت المرأة كثيرا على الدّار ،وكلّ مرّة تسألها البنت ،تقول لها : ليس بعد ،حتّى وصلتا إلى جبل مرتفع ،وقالت لها: هناك تنبت عشبة الهندباء ،وهي حمراء اللون ،أحضريها لي، فأنا أشعر بالتّعب، وسأنتظرك هنا ،هيّا أسرعي، لا وقت لدينا !!!

لمّا صعدت عيشة للجبل إبتسمت المرأة، وخاطبت نفسها: سأنصرف الآن ،ولن تعودي للدار حيّة !!! فهذا الجبل مليئ بالثّعالب والضّباع ،والعقارب السّامة ،وحتّى لو نجوت منها ،فلن تقدري على الرّجوع ،وستموتين من البرد والجوع عقابا لك على ما فعلته بإبنتي ،فلقد قضمت الفئران أذنيها ،وأصبح شكلها قبيحا .

فتّشت عيشة عن الهندباء ،لكنها لم تعثر على شيء ،ولمّا رجعت إلى زوجة أبيها ،وجدتها قد إنصرفت ،وتركتها وحيدة .حاولت أن تتذكّر الطريق الذي جاءت منه ،لكن لم تفلح في ذلك، فكلّ المسارب متشابهة ،بدأت في الصراخ لعلّ أحدا يسمعها ، وفي الأخير تعبت ، وجاءت تحت شجرة ،وبدأت في البكاء . وفجأة سمعت صوت حمامتين تتخاصمان ،وقال الذّكر :لقد إتفقنا ان ندّخر الحبّ للشّتاء ،لكنّي لاحظت اليوم نقصانه !!! أجابت الأنثى : صدّقني، لم ألمس منه شيئا .

كان ذلك اليوم حارا جدا :فقالت له عيشة : لا تظلم زوجتك لقد جفّ الحبّ بسبب الحرّ ،ولمّا ينزل النّدى، يرجع كما كان !!! نزلت الأنثى ،وجلست في حجر البنت ،وقالت لها :أشكرك، لولا نصيحتك لكنت الآن في ورطة ،كيف يمكنني أن أرد لك معروفك ؟ أجابت عيشة :إنّي بحاجة للهندباء لأختى ،وأرغب في الرجوع لبيتنا قرب البحر ،المشكلة أني لا أعرف الطريق !!! تعجّبت الحمامة وقالت : تلك العشبة لا تنبت في الجبال ،من الذي أتى بك لهذا المكان الموحش ؟

فهمت عيشة أن امرأة أبيها قادتها إلى هنا لتهلك ،وأنه يجب أن تحذر منها في المرّة القادمة ،وبينما هي غارقة في التفكير جاءتها الحمامة بعشبة حمراء في منقارها ،وقالت لها : إتبعيني سأريك الطريق إلى البحر ،ولو أسرعت لوصلت قبل حلول الظلام .

لما إقتربت عيشة من الداّر كانت تحسّ بألم شديد في قدميها ،فلقد جرت دون أن تتوقّف. كانت تسمع وراءها عواء الذئاب وأصوات البوم ،فيزيد من خوفها .دخلت ،وأغلقت الباب وراءها ،وهي تلهث .كانت امرأة أبيها تنظر إليها بدهشة ،وهي تتساءل كيف وجدت تلك اللعينة طريقها وسط الغابة ؟ إستعادت عيشة أنفاسها ،ورمت بالأعشاب على الطاولة ،وقالت بحدّة: سأذهب لأستحمّ ،وأنام ،ولا تطلبي منّي شيئا المرة القادمة ،وإلا أخبرت أبي بما حصل ،هل فهمت ؟

زاد غيظ المرأة على عيشة، وقالت: تهددني الآن؟ لا بقاء لي هنا، إن لم أجعلها تدفع الثمن. لاحظت أن البنت تحب الصعود على مركب أبيها ،وتنزل إلى الأسفل ،وتبقى هناك تطرّز ،فلقد كانت تشعر بالراحة بعيدا عنها وإبنتها ،وذات صباح إنتظرتها حتي صعدت، ثم جاءت إلى الأجير وأعطته صرة نقود وطلبت منه أخذها في فسحة لتروح عن نفسها.

تحرك المركب وإبتعد في عرض البحر ،وكانت عيشة تطرّز ،وفجأة أحست بحركة الأمواج ،وصوت الرياح ،فخرجت لترى ما يحدث ،فوجدت إمرأة أبيها أمامها ،وقبل أن تفتح فمها ،دفعتها في صدرها ،ووجدت نفسها تسقط في البحر،وفي يدها قطعة الحرير . إبتعد المركب وبدأت عيشة تغرق لكن الريح كانت تهب إلى الشّمال ،وخرج من القوقعة التي في رقبتها موسيقى جميلة وراحت في غيبوبة .

لمّا فتحت عينيها وجدت نفسها في جزيرة صغيرة مليئة بالطيور ، وجوز الهند ،وتساءلت : من الذي أتى بها إلى هنا ؟ وفجأة سمعت ضحكة ورائها ،ولمّا إلتفتت رأت السمكة الغريبة التي أطلقت سراحها منذ شهر ،فصاحت بدهشة : هل هذا أنت !!! أجابت السمكة: نعم ، أنا هي، لقد سمعت الموسيقى ،فجئت كما وعدتك . ضربت البنت بيدها على رأسها ،وهتفت :آه القوقعة ،لقد نسيت أمرها تماما،ومن حسن حظي أنها في رقبتي ،وإلا أصبحت الآن طعاما دسما للقروش .

كان ابن السلطان في زورق يصيد السمك ،ورأى شيئا أبيض تجرفه الأمواج ،فإلتقطه ،ولما رآه وجدها قطعة من الحرير عليها زخارف بديعة لم ير مثيلا لجمالها ،وكان عليها عطر فواح ،قرّبها من أنفه ،وإستنشقها ،فأسكرته رائحتها ،وقال في نفسه ،سأبحث عن صاحبتها ،وأتزوج منها سواء كانت من الإنس أو الجن أو حتى من حوريات البحر …

قالت السّمكة :سأحضر لك أحد خيول البحر ،وسيوصلك إلى داركم ،وعليك أن تحذري من زوجة أبيك، فهي لن تتردد في التخلص منك مرة أخرى !!! أجابت عيشة :لم أكن أتخيّل أنها بمثل هذه القسوة، يجب أن أصارح أبي بما يحدث ،لقد كنا سعداء بدونها . الآن لدينا المال، وبإمكانه أن يتزوّج جارية أجمل وأصغر منها . بعد دقائق جاء حصان وردي اللون ،وقالت لها السمكة : هذا هدية لك ،سيسبح قرب الشّاطئ ،وبإمكانك الرّكوب عليه والتّجول بين الجزر الصّغيرة في البحر .ولقد أعطاك أبي ملك الأسماك شيئا لك ،وأخرجت لها صرّة صغيرة فيها جواهر ،ففرحت به عيشة ،ووضعتها في جيبها ،ثمّ ودّعت السّمكة ،ورجعت إلى الدّار .

رأتها زوجة أبيها، وقالت :لا أفهم كيف رجعت ،لكنّها لا يجب أن تبقى هنا !!! ثم أخذت عصا ،وضربتها ،وجاءت إبنتها ،وشدت شعرها ،لكن المسكينة عيشة أفلتت منهما ،وهربت في الغابة ،ثم شرعت في البكاء ،ولم تعرف أين تذهب.فالليل بدأ في النزول .ما رجع الأب في المساء قالت له زوجته :إن عيشة يسكنها الجن ،فلقد ضربت أختها ،وكادت تقتلها ،نظر إليها الصياد وإندهش لكثرة العضّ والقرص في جسمها ،وصاح: كيف تفعل ذلك ؟ الويل لها إن وجدتها أمامي !!! أين هي الآن ؟ أجابته : لقد هربت إلى أصدقائها الجن في الغابة ،إسمع يا رجل لا أريدها أن ترجع إلى هنا هل فهمت ؟ صمت الصياد ،ثم قال الآن أريد أ أتعشى وأنام ،وفي الصّباح سأذهب للبحث عنها ،وأحملها لأحد الشيوخ ليقرأ عليها القرآن .

هامت عيشة على وجهها في الظلام، وبدأت تشعر بالبرد والرهبة ،وفجأة رأت نورا خافتا فإتجهت ن،وكان يصدر من كوخ صغير، ولمّا دقت الباب خرجت لها مرأة قبيحة المنظر ،فخافت منها، وهمت بالهرب ،لكن وصل لأنفها رائحة طعام شهي ،وأحسّت بالجوع ،فتمالكت نفسها ،وقالت :لقد ضعت في الغابة، وأريد أن أبيت عندك هذه الليلة !!! كانت تلك المرأة غولة ،وخاطبت نفسها : غدا أجعل منك قديدا ،فليست لي عولة للشتاء ،دخلت عيشة ،وأكلت حتى شبعت ،ثم نامت حتى الصباح ،ولمّا إستيقظت وجدت ساقيها مربوطتين ، والمرأة تشحذ سكينا ضخما، وتغني :

أعدّ عولة

مثل كلّ مرّة

قديدة فيها شحمة وعظمة

أغطها بالزّيت

وأخفيها في جرّة

لكي لا تأكلها الفأرة

فهمت عيشة أنّ تلك المرأة غولة ،و تريد أن تأكلها ،ففكّرت قليلا ،ثم قالت لها : كما ترين فأنا بنت صغيرة أعاني من الجوع ،ولا أنفع لطعامك ،لكن أمنحك صرّة فيها جواهر، تشترين بها قطيعا كاملا من الثيران والكباش ،وسأساعدك في عولة القديد، والكسكسي ،والزّيتون المملح !!!

لمّا سمعت المرأة ذلك لوّحت بسكينها ،وقالت: إرمي الصّرة، وإياك أن تحاولين خداعي ،وإلا دققت عظامك !!! أخرجت عيشة الصرّة، ورمتها لها ،ولمّا فتحتها ظهر السرورفي عينيها ،وقالت من أين حصلت على كلّ هذا المال أيتها الماكرة ؟ أجابتها : فكّي وثاق الأول، وسأروي كل شيئ . لم تشأ عيشة أن تبوح لها بسرّ السّمكة ،وأخبرتها أنها تطرز الحرير بخيوط الذهب والعدس الملون، وتبيعه في السوق للأعيان ،و الزخارف التي تقوم بها بديعة جدا لا يوجد لها نظير إلا عند الجن .

قالت المرأة : مدهش ،والآن هيا بنا نشتري طعامنا ،ونعد عولتنا ،أعرف ضيعة قريبة كنت أسرق منها ،لكن صاحبها ملأها بالكلاب وقطع رزقي ،أمّا اليوم سأدفع لذلك اللعين ثمن ما آخذه ،وسينقل كلّ شيئ حتى باب الكوخ،أمّا نحن سنرتاح قليلا في الظلّ ..

غطت الغولة رأسها وذهبت مع عيشة للّضيعة واشريا أربعة أبقار سمينة وأكياسا من القمح والشعير وجرارا من الزيت ،وكثيرا من الدجاج ،ولما رجعا ذبحت الغولة عجلا ،وطبخت كسكسي باللحم والفلفل الحار،وأكلت عيشة ونامت ،بينما الغولة تعدّ القديد ، ،كانت قوية ،وتعمل بنشاط ،ولمّا نهضت البنت من النوم ،وجدتها قد أتمّت تقطيع كلّ العجل ووضعه في الشّمس ليجفّ ،وخزنت العولة في الدهليز ،وكلّ شيئ كان مرتّبا في مكانه ،ثمّ خرجت من الكوخ فوجدت الماشية ترعى والدّجاج ينقر الحب، فأحسّت بالراحة بعيدا عن زوجة أبيها وإبنتها اللعينة ،وقالت في نفسها والله لن أرجع لدارنا ما دامت تلك المرأة تعيش فيه ،والغولة أحنّ منها .

في المساء أعدّت عيشة برّاد شاي على الكانون، وجلست أمّها الغولة على حصيرة ،وقالت لها :الآن قصّي علي حكايتك فإنّي أحبّ سماعها !!! بدأت عيشة تروي ما حلّ بها بعد موت أمّها ،وكيف حاولت امرأة أبيها إغراقها في البحر ،وكيف ضربتها وطردتها . غضبت الغولة ،وقالت : أعدك بالإنتقام منها ،لقد كان لي إبنة في مثل سنك، لكن مرضت ،و بعد بضعة أياّم ماتت،ومنذ ذلك الحين ،وأنا أعيش بمفردي ،إسمعي !!! من اليوم أنت إبنتي ،ولن أسمح لأحد أن يمسك بسوء، تعالي واجلسي في حضني ،أحسّت عيشة بإطمئنان لم تحسّ بمثله منذ زمن طويل ،وأغمضت عينيها ونامت .

في الصّباح وجدت حليبا طازجا وخبز طابونة وزيتونا ،فلما أكلت ومسحت يديها جاءتها الغولة ،وقالت أنظري ماذا أحضرت لك من السّوق !!! صاحت عيشة بفرح ،فلقد مدّت لها سلة فيها حرير، وإبر وخيوط الذهب والفضة ،وكل ما يلزم للتطريز .

جلست البنت أمام باب الدّار ،وأخذت قميصا من الحرير وزينته بأحد بالزخارف التي رأتها في مملكة الجن ،وفي المساء نادت الغولة ،وأرتها القميص الذي طرزته فإندهشت ،وقالت :لم أر في حياتي شيئا أجمل من ذلك سنكسب كثيرا من بيع شغلك ،وسننشأ مزرعة صغيرة قرب الدار .كانت الغولة تجمع كل أسبوع ما تطرزه البنت ،وتنزل إلى السّوق لتبيعه ،وسرعان ما أصبح التجار يتنافسون على بضاعتها ويشترونها بأغلى الأثمان.

ذات يوم كان إبن السلطان يتجول في السوق ورأى ذلك الشّغل في يدها، فتذكر القطعة في البحر ،إقترب من الغولةوسلم عليها ، وسألها هل إبنتك هي من صنع هذه الأشياء الجميلة ؟،تردّدت قليلا ،وأجابته: نعم يا مولاي وهي في خدمتك،قال لها :أريد أن أراها ،حاولت الغولة أن تتهرب ، وقالت له إنها ليست جميلة ،لكنه أصرّ،فلم تجد بدا من إستدعائه إلى دارها ،وهي تبالغ في إخفاء وجهها ،ولما وصلت إلى الكوخ ،صاحت: تعالي يا عيشة، أحدهم يريد رؤيتك !!!

جاءت البنت تجري، ولما رأت الأمير واقفا ،ويحيط به الحرس غطت رأسها بقطعة الحرير التي في يدها ،فتعجّب الجميع من جمالها وحيائها ،وقال الأمير كنت متأكدا أن الأيادي التي عملت كل ذلك لا بد أن تكون صاحبتها جميلة !!!: سيأتي أبي لخطبتك من أمّك فلقد أمضيت أياما طويلة أحلم بك حتى وجدتك ،ستكونين أميرة قلبي وأعطي أمّك ما تشترطه من مهر …

قالت عيشة: لا بدّ أن تخطبني إذا من أبي ،وهو يعيش على حافّة البحر ،ولقد تزوّج امرأة أخرى تكرهني، لذلك أعيش في الغابة مع أمّي !!! قال إبن السّلطان :لا

بأس ،غدا نجيئ مع الهدايا ،ونذهب إلى داركم . لم تنم البنت ليلتها من شدّة السّعادة ،فالأمير كان لطيفا جدّا معها ،ويعشق كلّ ما تعمله من زخارف ،لكنّها لم تكن مطمئنّة إلى زوجة أبيها ،فهي امرأة حقودة ،ولا تريد لها الخير .

في الصّباح جاء موكب السّلطان ،فأقبلت الجواري على عيشة، وأعددن لها حمّاما ،ومشطن شعرها، وألبسنها ثوبا من الحرير الوردي ،ووضعن عقود اللؤلؤ في رقبتها ،والأقراط في آذانيها، وخلاخل الذهب في رجليها ،ولمّا خرجت لتركب في هودجها ،بهت كلّ من رآها من الأعيان ،وأوّلهم السّلطان ،الذي كان منزعجا من أنّ عيشة ليست إبنة ملوك ،لكنّه سكت لمّا شاهد حسنها البديع ،وتحوّل إنزعاجه إلى غبطة ،فقبّل رأسها ،وقال: أهلا بإبنتي ،سترفعين قدرنا لمّا يأتي جيراننا من السّلاطين لحضور عرسك ،فلا أحد منهم له جارية مثلك في قصره .

كانت امرأة صيّاد السّمك تكنس أمام بيتها حين رأت موكب السّلطان، قالت في نفسها : لا شكّ أنّ زوجته أو إحدى بناته داخل الهودج ،فهو مجلّل بالحرير والدّيباج، لكنّها تعجّبت لماّ رأت الموكب يقترب منها ،والتفتت يمينا وشمالا فلا يوجد غير دارها الصّغيرة ،فماذا جاء السّلطان يفعل هنا ؟ قطع عليها حبل أفكارها أحد العبيد يسألها عن زوجها ،أجابت : إنّه بالدّاخل !!! قال لها : أطلبي منه أن يجيئ لاستقبال مولاي السّلطان ،هيا أسرعي يا امرأة ،ولا تدعينا ننتظر !!! زاد تعجّبها، لكنّها جرت إلى داخل الدّار، وقالت لزوجها هناك ضيف في انتظارك ،سألها ومن هذا الذي جاء ليقلق راحتي ؟ أجابته: إنه السّلطان، قال: ويحك، هل هذا وقت المزاح ؟ ردّت عليه : إنها الحقيقة ،أخرج ،وانظر بنفسك إن لم تصدّقني .

لمّا خرج ،قال له العبد: تعال سلّم على سيّدك !!! ولمّا رأى السّلطان واقفا أمامه، اعتقد أنه جاء لجمع الضّرائب ،فأخرج صرّة من المال ،وقال له: أعذرني يا مولاي أنّي تأخرت في الدّفع ،ضحك السّلطان ،وقال:

لم أجئ لأخذ مالك بل لخطبة ابنتك عيشة ،إحتار الرّجل ،وقال : لقد اختفت في الغابة . ولا أعرف مكانها !!! أجاب السّلطان: لا تقلق ،إنها معي في الهودج ،ثمّ ناداها ،وقال: تعالي يا عيشة ،جاءت البنت إلى أبيها ،وهي في أحلى زينة ،فعانقها ،وقال: كيف تذهبين وتتركينني ؟ أجابت: سأخبرك بكل شيئ فيما بعد ،لا بد أن نتكلم ،قال: بالطبع، لكن لنقود أوّلا ضيوفنا إلى الداّخل ،ونقدّم لهم شيئا يأكلونه، ويشربونه

.يتتبع

جزء الثاني من القصة بنت الصياد قصة رائعة

دخل السّلطان وإبنه والغولة ،وجلسوا ،ثمّ قال لهم الصّياد: سأشوي لكم سمكا طازجا ،وستنضج إمرأتي خبز الشّعير والمرق على الحطب ،أمّا عيشة ستقدم لكم شراب الورد !!! لمّا سمعت زوجة الأب بالحكاية، أحسّت بالحقد، وأظلمت الدنيا في عينيها، وقالت :كلّ مرة أطردها ،ترجع منتصرة ،لا أعرف ما الذي عليّ فعله للقضاء عليها ؟ لمّا حضر الطعام أكل الجميع ،وانبسطوا ،وسرّ السلطان لهذه الضّيافة ،وقال : سأطلب من طباخي أن يعدّ لي مثل طعامكم فلقد كان مذاقه جيدا .

أمّا الآن فماذا تريد مهرا لعيشة ؟ رد الصياد: لا شيئ، فقط أتمنى أن أراها كل يوم ،قال السّلطان: لك هذا بإمكانك أن تأتي للقصر متى شئت، وسأمنحك مائة بقرة ،ومثلها من الخرفان والماعز ،وعشرة من العبيد ،وهذا ليس كثيرا على عيشة !!! لم يصدّق الصّياد نفسه، فلقد أصبح بفضل إبنته غنيّا ،ونسيب السلطان .

كانت زوجة الأب تفكّر في حيلة لإفساد زواج عيشة ،فهي لا تطيق أن تتزوج تلك اللعينة إبن السّلطان، وتبقى إبنتها بائرة ،وفجأة خرجت الغولة أمام الدار ،وكانت تعتقد أنها وحدها ،فرفعت الغطاء عن رأسها، وقالت : ما أشدّ الحرّ هذا اليوم ،فرحت المرأة لما رأتها ،وقالت في نفسها: الآن أعرف كيف سأفسد زواجك ..

في المساء حملت زوجة الأب إبنتها، وتبعتا عيشة من بعيد حتّى عرفتا دار الغولة ،وإنتظرتا حتى خرجت مع عيشة للسّوق ،ثم دخلت المرأة ،وقيّدت إبنتها في دهليز العولة ،بعد ذلك جرت إلى قصر السّلطان،وقالت للأمير : أنصحك بالإبتعاد عن إبنة الصّياد فهي ساحرة ،وأمّها غولة، وهما يخطفان الأطفال و يأكلونهم !!! لم يصدّق الأمير ،وقال لها : ويحك ،لو كنت تكذبين لضربت عنقك .

قالت له تعال معي وسترى بعينك ،سار الأمير في حرسه ،ولما وصلوا لدار الغولة ،وجدوا بنتا مقيّدة في الدهليز، وبجانبها سكاكين كبيرة ، ولم دخلوا غرفة النوم رأوا حذاءا أكبر من كل أحذية المدينة، وجميع الأشياء كانت ضخمة. إنتظر الأمير حتى رجعت الغولة من السّوق ،ثمّ وقف. وقال لها :إرفعي هذا الغطاء ،وأرني وجهك !!!

تفاجأت عيشة من وجود الأمير هنا ،وسألته: لماذا لم تعلمني يا مولاي بنزولك ضيفا علينا ؟ أجاب :بغضب : لقد حاولت خداعي ،فما أنت إلا فتاة سيّئة ،تعاشرين الجن والأغوال، و تتضاهرين لي بالطيبة !!! إسمعي ، لا أريد رؤيتك بعد الآن ،فقد عرفت كلّ شيء،ورمى إليها بالمنديل الذي وجده في البحر، وقال : الآن عرفت لماذا لا نجد لزخارفك نظيرا عند الإنس !!! بكت عيشة لمّا سمعت هذا الكلام ،ولم تردّ عليه .

لمّا إنصرف موكب الأمير،إحتضنتها أمّها الغولة ،وقالت :إني أشمّ رائحة امرأة وفتاة كانتا في داري !!! مسحت عيشة دموعها ،وأجابت: دون شكّ هما : زوجة أبي وإبنتها.لقد فهمت لماذا تغيّر فجأة الأمير . هذه المرّة لن تمرّ فعلتها دون عقاب والويل لها منّي .في الليل لم تنم عيشة ،ولمّا تذكرت الأمير أصابتها الحسرة ،وسالت دموعها ،وبينما هي كذلك أحسّت ،بشيئ دافئ بجوارها ،كانت صديقتها القطة ،وقالت لها :لقد سمعت بكائك فجئتك ،قصي على ما حدث ،وما هو سبب حزنك ؟ حكت لها عن امرأة أبيها وكيف نغصت عليها ،عيشتها، وأفسدت عرسها.

هزّت القطة رأسها وأجابت : يبدو أنّ تلك اللعينة لم تفهم الدّرس، المرّة الفائتة ،أمّا الأمير فاتركه لي ، وسيجيئ لحدّ قدميك يطلب رضاك ،الآن هيا نامي ، فالصّباح أوشك على الطلوع . في الغد طلبت القطة من الغولة أن تصنع طبقا من الحلقوم بالفستق وماء الورد طيّب الرائحة. ثم أخذت عشبة ،ورمتها في القدر ،وقالت: السّحر لن يصيب إلا الأمير ،.

لمّا حضر الطّبق ،تنكرّت عيشة ،وذهبت للقصر، ولما سألها للحرس عن سبب مجيئها أخبرتهم أنها زوجة صيّاد السّمك ،وبما أنّ إبن السلطان يحب الحلقوم فإنها اجاءته بهدية . لمّا رأى الأمير الطبق إشتهى أن يأكل منه ،وكالعادة جاء الطباخ ،وتذوّق قطعة ،ثمّ قال : والله لم أذق في حياتي أطيب منه طعما ،ثم أكل الأمير ،حتى شبع لكن في المساء أصبحت أذناه طويلتان مثل الأرنب،فإختفى في حجرته، ولم يعد يخرج منها ،وأمر بزوجة الصّياد وابنتها فجائوا بهما ،وضربهم العبيد بقسوة ،ورموهما في سرداب مظلم مليئ بالخنافس عقابا لهما .

وفي أحد الليالي أخذت القطة شكل جارية جميلة ،ولمّا فتح الأمير عينيه وجدها أمامه ،فصاح : من أنت ؟ ومن سمح لك بالدّخول ؟ أجابته: ما حلّ بك ،هو جزاء من الله على ظلمك بنيّة يتيمة ،فعيشة تحبّك ،وتلك الغولة تعتبرها إبنتها ،و لقد تغيّر طبعها ،وأصبحت مثلكم ،أمّا رأيته في الدّهليز هو من كيد زوجة أبيها !!! وإعلم أيّها الأمير أنّ بنات ملوك البحر والجنّ هن صديقات عيشة، وهي الوحيدة التي بإمكانك أن ترفع عنك السّحر .

كان الفتى يستمع بدهشة ،وقال : لقد كنت مغفلّا ،وقسوت على تلك البنت هيا بنا نذهب إليها ،ولمّا إنهض من فراشه نظر حوله، لكن الجارية اختفت ، وقال في نفسه : ما أغرب ما رأيت ، ثم غطى رأسه بعمامة كبيرة، وركب جواده ،وسار إلى كوخ الغولة .وحين وصل ،طرق الباب، فخرجت له عيشة ،وطلب منها أن تسامحه على غلظته ،فلقد خدعته تلك اللئيمة .

أجابت : لقد عانيت منها ،قال الأمير لن تزعجك بعد الآن ،فهي في سرداب ،و لن تخرج منه ،بعد ما فعلته بي ،وخلع العمامة ،لم تتمالك عيشة نفسها من الضحك ،وقالت :كلّ من يظلمني يعاقبه الله ،فلتعلم ذلك ،لكني أسامحك ،وأخرجت من جيبها حشائش غلتها في الماء ،وقالت: إشرب ،وسيزول السحر ،وما كاد يرشف الأمير من القدح حتى رجعت أذناه كما كانتا .

ففرح، وقال : الأسبوع المقبل موعد عرسنا لا تنسين ذلك !!! ردّت البنت مازال هناك شيئ يجب أن أقوم به ،ثم ذهبت إلى أبيها ،وقالت له :في نفس اليوم الذي أتزوج فيه أريدك أن تتزوج من الغولة ،رد عليها :ويحك يا إبنتي، ألم تجدي إمرأة غيرها، إبتسمت عيشة، وقالت: لن تندم يا أبي ،و حتما ستشكرني !!!أجاب : سأفعل وأمري لله ،ما دام هذا يسعدك ،وأرجو أن لا تأكلني لو أغضبتها يوما ما

ليلة العرس جاء السلطان لتهنئة العرسان، فغمزت عيشة أباها ،وقالت : ارفع يا أبي النقاب عن وجه امرأتك ،هيا لا تخف . تردّد ،ولما رفعه، توقّف مدهوشا ،ودهش أيضا السّلطان ،وكلّ الحاضرين ،فلم ير أحد في حياته أجمل من تلك المرأة ،كانت القطة تنظر من أحد الأركان، ثمّ ضحكت ،فلقد جعل سحرها الغولة أجمل ممّا كانت تعتقد ،وقالت :الآن بإمكاني الإنصراف وترك العرسان يمضون ليلتهم بهدوء …

إنتهت الحكاية أرجو أن تكون قد نالت إعجابكم

دعوه من قلبك